منطقة إعلانية

وفاة «الحلاج»

النقطةُ أصلُ كلِ خطٍ، والخطُ كلُّه نقطٌ مجتمعةٌ، فلا غنىً للخطِ عن النقطةِ، ولا للنقطةِ عن الخطِ، وكلُ خطٍ مستقيمٍ أو منحرفٍ هو متحركٌ عن النقطةِ بعينِها، وكلُ ما يقعُ عليهِ بصرُ أحدٍ فهو نقطةٌ بين نقطتينِ، وهذا دليلٌ على تجلّي الحقِ من كلِ ما يشاهدُ وتَرائيهِ عن كلِ ما يعاينُ، ومن هذا قلتُ: ما رأيتُ شيئًا إلاَّ رأيتُ اللهَ فيهِ.
هكذا قُتلَ الحلاجُ، فكأن الإسلامَ أصبحَ وقفًا على الحكامِ والقضاةِ، أو كأن من يريدُ الوصولَ إلى اللهِ لا بدَّ لهُ من شفيعٍ يوصلهُ إليهِ، لعلَهمْ جهلوا أنَّ اللهَ سبحانهُ تتعدُ سبلُ قدرتهِ، وبتعددِ هذه السبلِ نستطيعُ أنَّ نصلَ إلى اللهِ.
كان للحلاجِ رؤيتُهُ المختلفةُ وعقشهُ الإلهيُ المنقطعُ النظرُ مما أثارَ الشكوكَ حولهُ، فلمْ يعرفْ تاريخُ التصوفِ الإسلامي شخصيةً مثيرةً للجدلِ كالحلاجِ، فقد كفَّرَهُ البعضُ، وقدسهُ البعضُ الآخرُ، ونسبوا إليهِ الخوارقَ في القولِ والفعلِ.
واللهِ ما طلعتْ شمسٌ ولا غربَتْ.. إلاَّ وحبُـك مقـرونُ بأنفاسـي
ولا خلوتُ إلى قومٍ أحدثَهــمُ.. إلا وأنت حديثي بين جلاســي
ولا ذكرتُكَ محزونًا ولا فَرِحا.. إلا وأنت بقلبي بين وسواســـي
ولا هممتُ بشربِ الماءِ من عطشٍ.. إلا رَأَيْتُ خيالًا منكَ في الكـــاسِ
ولدَ أبو عبدِ اللهِ حسينٌ بن منصورِ الحلاجُ عام 858م في مدينةِ واسطَ ببلادِ فارسَ، وكانَ العصرُ العباسي حينها يشهدُ صراعًا محمومًا بين المذاهبِ والتياراتِ الدينيةِ والسياسيةِ، فعاشَ في خلواتهِ الصوفيةِ، ثم طافَ البلادَ داعيًا إلى الزهدِ، ليعودَ به المطافُ ويستمرَ في بغدادَ، قيلَ أنه لُقِبَ بالحلاجِ لكشفهِ أسرارَ القلوبِ، وقيلَ لمهنةِ أبيهِ في حلجِ القطنِ.
ذاعتْ شهرتُهُ وأخبارهُ وراجَ أمرهُ عندَ كثيرٍ من الناسِ، حتى وصلتْ لوزير المقتدرِ بالله الخليفةُ العباسي، وكانتْ
فلسفةُ الحلاجِ التي عبرَ عنها بالممارسةِ لمْ ترضْ الفقيهِ محمدًا بن داوودَ قاضيَ بغدادَ، فقدْ رآها متعارضةً مع تعاليمِ الإسلامِ، فرفعَ أمرَ الحلاجِ إلى القضاءِ طالبًا محاكمتَهُ أمامَ الناسِ والفقهاءِ، غيرَ أنَّ بعضَ مؤرخي السنةِ وفقهائِها قدِ اتهموه بالذندقةِ والكفرِ، وهذا لعدمِ علمهِم بالتأثيرِ الروحي ذي التاريخِ العريقِ في الدينِ والفلسفةِ الزرادشتية.
وفي يومِ 26 من مارسَ سنةَ 309هـ تمَ تنفيذُ حكمِ الخليفةِ بالإعدامِ.